مجمع البحوث الاسلامية
322
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
من القوّة الغضبيّة والشّهويّة ، وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب . وكلّ ما ورد في تأويلها في مقام التّخصيص يرجع إلى هذا المعنى ، كما يظهر بالتّدبّر . ( 4 : 206 ) البروسويّ : واعلم أنّ الظّلوميّة والجهوليّة صفتا ذمّ عند أهل الظّاهر ، لأنّهما في حقّ الخائنين في الأمانة ، فمن وضع الغدر والخيانة موضع الوفاء والأداء فقد ظلم وجهل . وقال أهل الحقيقة : هما صفتا مدح ، أي في حقّ مؤدّي الأمانة ، فإنّ الإنسان ظلم نفسه بحمل الأمانة ، لأنّه وضع شيئا في غير موضعه ، فأفنى نفسه وأزال حجبها الوجوديّة ، وهي المعروفة بالأنانيّة ، وجهل ربّه . فإنّه في أوّل الأمر يحبّ هذه البهيميّة الّتي تأكل وتشرب وتنكح ، وتحمل الذّكوريّة والأنوثيّة اللّتين اشترك فيهما جميع الحيوانات ، وما يدري أنّ هذه الصّورة الحيوانيّة قشر وله لبّ ، هو محبوب الحقّ الّذي قال : يُحِبُّهُمْ ، وهو محبّ الحقّ الّذي قال : يُحِبُّونَهُ . فإذا عبر عن قشر جسمانيّة الظّلمانيّة ووصل إلى لبّ روحانيّة النّورانيّة ، ثمّ علم أنّ هذا اللّبّ النّورانيّ أيضا قشر . فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة » . فعبر عن القشر الرّوحانيّ أيضا ، ووصل إلى لبّه الّذي هو محبوب الحقّ ومحبّه ، فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربّه بتوحيد لا شرك فيه ، وجهل ما سوى اللّه تعالى بالكلّيّة . وأيضا إنّ الجهول هو العالم ، لأنّ نهاية العلم هو الاعتراف بالجهل في باب المعرفة ، والعجز عن درك الإدراك إدراك . . . فلو لم يكن للإنسان قوّة هذه الظّلوميّة والجهوليّة لما حمل الأمانة ، وبهذا الاعتبار صحّ تعليل الحمل بهما . وقال بعض أهل التّفسير - وتبعهم صاحب « القاموس » : إنّ الوصف بالظّلومية والجهوليّة إنّما يليق بمن خان في الأمانة وقصّر عن حقّها ، لا بمن يتحمّلها ويقبلها . فمعنى ( حملها الانسان ) أي خانها . والإنسان : الكافر والمنافق ، من قولك : « فلان حامل للأمانة ومحتمل لها » بمعنى أنّه لا يؤدّيها إلى صاحبها حتّى تزول عن ذمّته ويخرج من عهدتها بجعل الأمانة كأنّها راكبة للمؤتمن عليها ، كما يقال : ركبته الدّيون ، فما يحمل إذا كناية عن الخيانة والتّضييع . . . ( 7 : 254 ) شبّر : ( ظلوما ) حيث لم يؤدّها ، ( جهولا ) لعظمة شأنها . ( 5 : 166 ) الآلوسيّ : [ نقل أقوال المفسّرين إلى أن قال : ] وأنا لا أميل إلى القول بأنّ المراد بالإنسان : آدم عليه السّلام ، وإن كان أوّل أفراد الجنس ومبدأ سلسلتها ، لمكان إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا فإنّه يبعد غاية البعد وصف صفيّ اللّه عزّ وجلّ بنصّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ آل عمران : 33 ، بمزيد الظّلم والجهل ، وكون المعنى كان ظلوما جهولا بزعم الملائكة عليهم السّلام قول بارد ، وحمله على معنى : كان ظلوما لنفسه ؛ حيث حملها على ضعفه ما أبت الأجسام القويّة حمله ، جهولا بقدر ما دخل فيه أو بعاقبة ما تحمّل لا يزيل البعد ، ولا أستحسن كون المراد : كان من شأنه لو خلّي ونفسه ذلك ، كما قيل : الظّلم من شيم النّفوس فإن تجد * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم